الشيخ الطوسي

111

المبسوط

بينهما أن الجرح يعرف في لحظة وهو أن يرتكب ما يفسق به فيسقط شهادته ، ولو كان قبل ذلك أعدل الناس ، فلهذا لم يفتقر إلى الخبرة المتقدمة ، وليس كذلك التزكية لأنه لا يكون عدلا بأن يراه في يومه عدلا لأن العدل من تاب عن المعاصي فطالت مدته في الطاعات ، فإذا لم يكن خبيرا به ، فربما لم يسغ أن يشهد بعدالته وهذا إلى صاحب المسألة أن لا يشهد بالتزكية حتى يثبت عنده ذلك لمن هو من أهل الخبرة الباطنة والمعرفة المتقادمة . قد ذكرنا أن أصحاب مسائله يسألون عن صفة الشاهد سرا ، فإذا سأل عنه سرا فزكوه فإذا حضرا للحكم بشهادتهما لم يسألهما عن عدالتهما ، لأنه قد سألهما عنها وشهدا عنده بذلك ، لكنه يسألهما فيقول : هذان هما اللذان زكيتماهما وسألتكما عنهما ؟ فإذا قالا نعم ، حكم بشهادتهما ، وإنما قلنا يسئل جهرا بعد السر احتياطا لئلا يقع اسم على اسم فيكون المزكى غير المسؤول عنه . لا يجوز للحاكم أن يرتب شهودا يسمع شهادتهم دون غيرهم ، بل يدع الناس فكل من شهد عنده فإن عرفه وإلا سأل عنه ، على ما قلناه ، وقيل أول من رتب شهودا لا يقبل غيرهم إسماعيل بن إسحاق القاضي المالكي . والصحيح ما قلناه ، لأن الحاكم إذا رتب قوما فإنما يفعل هذا بمن هو عدل عنده ، وغير من رتبه كذلك مثله أو أعدل منه ، فإذا كان الكل سواء لم يجز أن يخص بعضهم بالقبول دون بعض ، ولأنه فيه مشقة على الناس لحاجتهم إلى الشهادة بالحقوق في كل وقت من نكاح وغصب وقتل وغير ذلك . فإذا لم يقبل إلا قوما دون قوم شق على الناس [ ولأن فيه ضررا على الناس ] فإن الشاهد إذا علم أنه لا يقبل قول غيره ربما تقاعد فيها حتى يأخذ الرشوة عليها ولأن فيه إبطال الحقوق ، فإن كل من له حق لا يقدر على إقامة البينة به من كان مقبول الشهادة راتبا لها دون غيره ، فإذا كان كذلك لم يجز ترتيبهم . وإنما نمنع أن يقبل قوما دون غيرهم فأما إن رتب قوما قد عرف عدالتهم و